محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

311

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

الذي تزعجه به ، ويحمل عنك همّة ، قال « ولقد رأيت تلميذا من أصحاب شيخنا الإمام تاج العارفين أبي محمد عبد العزيز بن أبي بكر القرشيّ المهدوي ، رحمه اللّه تعالى ، وكنت جالسا عنده فدخل عليه فقير وفي يده « باقلاة » فقال له : يا سيدي ، إن وجدت هذه الباقلاة ، فما أصنع بها ؟ فقال له : اتركها حتى نفطر عليها . فقلت : يا سيدي حتى الباقلاة يعلم بها ! ! قال : يا ولدي ، لو خالفني في لحظة من خطراته لم يفلح أبدا » . فإذا جوهدت النفس بهذه المجاهدات وقوتلت بهذه المقاتلات رجعت عن جميع مألوفاتها الدنيئة وعاداتها الرديئة ، وزال عنها النفور والاستكبار ، ودانت لمولاها بالعبودية والافتقار ، وتزكت أعمالها ، وصفت أحوالها . وهذه هي خاصيتها التي خلقت لأجلها ، ومزيّتها التي شرفت من قبلها ، وإنما ألفت سوى هذه لمرض أصابها من الركون إلى هذا العالم الأدنى ، والأنس بالشهوات التي تزول وتفنى ، حتى امتنع عليها ما خلقت لأجله من موجب سعادتها وغاية شرفها وإفادتها ، فلما تعالجت بما ذكرناه عادت إلى الصحة وإلى طبعها الأصلي فألفت العبودية والتزمتها وصارت بذلك مطمئنة صالحة لأن يقال لها يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي [ الفجر : 28 ] قال الشيخ العارف أبو محمد عبد العزيز المهدوي رضي اللّه تعالى عنه : « النفس المطمئنة هي التي تخلصت من السوء ولم يبقى بينها وبين السوء نسبة ، وكانت مبادئها في الاكتساب : الإيمان ، والرضا المكتسب ، فلما صفت وتطهرت من جهة المخلوقات وزال عنها الحجاب الذي هو صفة الخلق سمعت النداء من مكان قريب فأجابت لعدم الحجاب ، فخرجت للمواهب والرضا الوضعي الوهبي الذي قال اللّه فيه : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ المائدة : 119 ] فدخلت في رضا اللّه المطلوب الموهوب ، وفي عباده ، وجنّته ، لا في جنّتها بوصف كسبها وأعمالها ) انتهى . وعلامة وصول المريد إلى هذا المقام الحميد أن تستوي عنده الأحوال ، ولا يتأثر باطنه بما يواجه به من قبيح الأفعال والأقوال ؛ لاستغراق قلبه في مطالعة حضرة الكمال . قال أبو عثمان الحيري « 1 » ، رضي اللّه تعالى عنه : « لا يكمل الرجل حتى يستوى قلبه في أربعة أشياء ، في : المنع ، والعطاء ، والعز والذلّ » وقال محمد بن حنيف ، رضي اللّه

--> ( 1 ) هو أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري ( توفي 298 ه - / 910 م ) كان من الري ويقيم في نيسابور ، صحب شاه الكرماني ويحيى بن معاذ الرازي ، ثم ورد نيسابور مع شاه الكرماني على أبي حفص الحداد ، وأقام عنده ، وتخرّج به ، وزوجه أبو حفص ابنته ، وعاش بعد أبي حفص نيفا وثلاثين سنة . ( الرسالة القشيرية ص 407 ) .